الحق أن كثيرا منا يحاول أن يتغاضى عن مشكل فكري معقد ، له تأثير عميق على السجالات الفكرية التي تطفح على ساحات الرأي ، إنه الإحساس الخاص الذي يتولد عند كل عقل مفكر ، سواء كان ذلك العقل المفكر مُنتجا أو غير منتج ، فالمشاعر الخاصة لها دور كبير في تحديد ما هو ضار ونافع ، لأن فطرة الإنسان أول ما تستدعي من الأفكار تلك التي تفسر عالم المادة ؛ كفكرة النافع والضار بكل ما تحمل كلمتي النافع والضار من معان ، ثم يترقى الإنسان بعد ذلك بتصنيف النافع إلا ما يجلب اللذة الذاتية بمراتبها أو اللذة المتعدية بجوانبها ثم يرقى به الحال إلى اختيار اللذة الوقتية الآنية أو الطويلة الدائمة ثم يرقى به الحال حتما إلى التفكير في اللذة المطلقة والمقيدة،فالإنسان لأول وهلة يتبنى إحساسا أوليا أن المال نافع ، ولكنه يحتاج إلى فترة من الزمان ليتعرف على اللذات التي يجلبها المال له، ثم إنه يحتاج إلى خبرة وتجربة في تصنيف تلك اللذات إلى ما ذكرنا، ولربما وصلت معه الفكرة العميقة إلا الإحساس أن المال نفعه قليل ولذته وقتية فيتبنى شعورا خاصا بعدم أهمية المال، ثم ينعكس هذا الشعور الخاص إلى سلوك خاص يقلل السعي الحثيث في طلب المال والمزاحمة عليه، ولولا هذه المشاعر الخاصة التي لا يمكن أن يشترك فيها كل الناس لما وصل الحال بذلك الإنسان إلى الزهد في المال والجمال والحسب وانصرف إلى الدين ليكمّله في نفسه ودنياه، وبمصاحبة أهل الدين يعتدل مزاجه وتنضبط مشاعره ويستقيم تفكيره،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ. رواه البخاري ومسلم. قال النووي رحمه الله : وَفِي هَذَا الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى مُصَاحَبَة أَهْل الدِّين فِي كُلّ شَيْء لِأَنَّ صَاحِبهمْ يَسْتَفِيد مِنْ أَخِلَاقهمْ وَبَرَكَتهمْ وَحُسْن طَرَائِقهمْ وَيَأْمَن الْمَفْسَدَة مِنْ جِهَتهمْ أهـ.
أحق قضية بالتأثير في مشاعر الإنسان الخاصة هي التي أَوْلاهَا حظَّها من النظر والتفكير، بيد أن النظر والتفكير إذا كان بآلة العقل المحض كانت عمليات التجميع والتركيب والقياس والاستنتاج الفكري رهينة التجريد الإنساني الذي يصعب عليه تصور المثال الأكمل، لأن العقل مقلد للحواس، ضرورةَ أنه لا يملك القدرة على تحسس المادة ولكنه يملك التفكير فيها، والتفكير في المادة يعقب إحساسها ضرورةً، فكان احتياج العقل إلى رِفد يوسع قدراته في النظر والتفكير أمرا لا مفر منه، وتبعية العقل لهذا الرفد سيكون له بمثابة النظر إلى المادة بأبعادها لا ببُعد واحد، إن هذا الرفد المهم في حياة الإنسان الفكرية هو الوحي السماوي المطهر ، فهو الكفيل بكبح جماع الأهواء وأطرها على الحق والعدل الذي جاء به الشرع وكلها ماهيات مطلقة توسع مستوى الأبعاد التي يمكن النظر من خلالها للفكرة، قال الله تعالى : إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ . قال السيد القطب رحمه الله : "هكذا على وجه الإطلاق فيمن يهديهم وفيما يهديهم ، فيشمل الهدى أقواماً وأجيالاً بلا حدود من زمان أو مكان؛ ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج وكل طريق ، وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان ….ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض : أفراداً وأزواجاً ، وحكومات وشعوباً ، ودولاً وأجناساً ، ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي والهوى؛ ولا تميل مع المودة والشنآن؛ ولا تصرفها المصالح والأغراض . الأسس التي أقامها العليم الخبير لخلقه ، وهو أعلم بمن خلق ، وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض وفي كل جيل ، فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم ونظام المال ونظام الاجتماع ونظام التعامل الدولي اللائق بعالم الإنسان . ويهدي للتي هي أقوم في تبني الديانات السماوية جميعها والربط بينها كلها ، وتعظيم مقدساتها وصيانة حرماتها فإذا البشرية كلها بجميع عقائدها السماوية في سلام ووئام ".أهـ
أنْ يُتَّبَعَ الفكر الرشيد والنظر السديد في قضايا الخلاف الفكري؛ فلا غَرْوَ ولا حَرج فالشرع قد دعا استخدام العقل والنظر والفكر ، لكن أن يُجعل الوحي السماوي سائرا في ركاب الفكر الإنساني والنظر المادي فهو العجب كل العجب، لأن الإنسان مع ضعف إمكانياته الفكرية ومجالاته العقلية يود ألّو كانت الخليقة كلها تتبعه وتسير وفق ظنونه وأفكاره ورؤاه، فكيف مع هذا يريد أن يجعل علم الله تعالى موافقا لعلمه سائرا في فلكه ؟! قال الله تعالى : أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، قال قتادة: قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإنّ قول الناس يختلف.
والحق هو ما وافق الأمارات والمنارات والسبل التي وضعها الله عز وجل دليلا عليه، والحقيلوح لكل إنسان بأمارات يعرفها بالحس والوجدان ، فما كان من الأمارات الحسية فهي مشتركة بين كل بني البشر، يبصرها كل إنسان استكمل الحواس التي يُناط بها التكليف سواء كان مريدا للحق أو معرضا عنه، ساعيا إليه أو متعاليا عليه ، فمن قَصُر علمه بالحق لقصور حواسه فهو معذور بحسبه ، ومن كانت حواسه تامة ثم تنكب الحق أو ضل عنه فلن يُعذر إلا بقدر تقصيره في استفراغ الوسع لبلوغ الحق بقدر ما عنده من حواس تامة، أما الأمارات الوجدانية فهي توفيق خاص لمن أخلص النية في السعي للحق ، واستفرغ الوسع في الوصول إليه، فهؤلاء لا يُحرمون من الحق جزما، بل يجعل الله تعالى لهم من العلامات الوجدانية الباطنية الخاصة ما يعرفهم بالحق ويدلهم عليه ،فمتيسر لكل إنسان أن يعرف الحق ويصل إليه وينصرف عن الباطل ويبتعد عنه، وقد جعل الله له الخاصة والقدرة على تمييز الحق والباطل، قال تعالى : بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ. قال قتادة: شاهد على نفسه ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه. وقال الله تعالى: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ، قال عبد الله بن مسعود : الخير والشر..
الوحي المطهر هو قائد الوجدان إلى تلك الأمارات والعلامات، فضمائر الناس جبلتْ على الطهر والشفافية، ولكنها تتأثر بالذنوب والمعاصي فتفسد













